المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القضاء في الإسلام ....؟


علي سالم الشهري
06-19-2008, 12:55 PM
معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام
مصدر الكتاب : موقع الإسلام عنوان الكتاب : معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام
مصدر الكتاب : موقع الإسلام " http://www.al-islam.com "
.السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أدناه مقتطفات عن القضاء والعمل به نقلته لكم عن المصدر أعلاه ولمزيد من المعلومات عن العلوم الشرعية يمكن زيارة الموقع الموضح أعلاه للتعلم في كتاب الله وسنة نبيه وللبحث عن المراجع البحثية في الأحكام والأحاديث والتفقه في الدين نسأل الله لنا ولكم الأجر والله المستعان ............


القضاء والقضاه وأقسام القضاه ....


وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ } الْحَدِيثُ ، فَبَدَأَ بِالْإِمَامِ الْعَادِلِ .]وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى يَمِينِ الرَّحْمَنِ ، كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ } وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : لَأَنْ أَقْضِيَ يَوْمًا أَحَبُّ إلَيَّ
مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ سَنَةً ]وَمُرَادُهُ أَنَّهُ إذَا قَضَى يَوْمًا بِالْحَقِّ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ سَنَةً ، فَكَذَلِكَ كَانَ الْعَدْلُ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَأَعْلَى دَرَجَاتِ الْأَجْرِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } فَأَيُّ شَيْءٍ أَشْرَفُ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى .
وَاعْلَمْ : أَنَّ كُلَّ مَا جَاءَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا تَخْوِيفٌ وَوَعِيدٌ ، فَإِنَّمَا هِيَ فِي قُضَاةِ الْجَوْرِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْجُهَّالِ الَّذِينَ يُدْخِلُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي هَذَا الْمَنْصِبِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، فَفِي هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ جَاءَ الْوَعِيدُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ } فَقَدْ أَوْرَدَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ فِي مَعْرِضِ التَّحْذِيرِ مِنْ الْقَضَاءِ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شَرَفِ الْقَضَاءِ وَعَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ ، وَأَنَّ الْمُتَوَلِّيَ لَهُ مُجَاهِدٌ لِنَفْسِهِ وَهَوَاهُ .
وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى فَضِيلَةِ مَنْ قَضَى بِالْحَقِّ إذْ جَعَلَهُ ذَبِيحَ الْحَقِّ امْتِحَانًا لِتَعْظُمَ لَهُ الْمَثُوبَةُ امْتِنَانًا
فَالْقَاضِي لَمَّا اسْتَسْلَمَ لِحُكْمِ اللَّهِ وَصَبَرَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَقَارِبِ وَالْأَبَاعِدِ فِي خُصُومَاتِهِمْ فَلَمْ يَأْخُذْهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ حَتَّى قَادَهُمْ إلَى أَمْرِ الْحَقِّ وَكَلِمَةِ الْعَدْلِ " وَكَفَّهُمْ عَنْ دَوَاعِي الْهَوَى وَالْعِنَادِ جُعِلَ ذَبِيحَ الْحَقِّ لِلَّهِ وَبَلَغَ بِهِ حَالَ الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ لَهُمْ الْجَنَّةُ .
وَقَدْ وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَمَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ الْقَضَاءَ فَنِعْمَ الذَّابِحُ وَنِعْمَ الْمَذْبُوحُونَ .
فَالتَّحْذِيرُ الْوَارِدُ مِنْ الشَّرْعِ إنَّمَا هُوَ عَنْ الظُّلْمِ لَا عَنْ الْقَضَاءِ ، فَإِنَّ الْجَوْرَ فِي الْأَحْكَامِ وَاتِّبَاعَ الْهَوَى فِيهِ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ وَأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ، قَالَ اللَّهُ تعالَى { وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا } وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ وَأَبْغَضَ النَّاسِ إلَى اللَّهِ وَأَبْعَدَ النَّاسِ مِنْ اللَّهِ رَجُلٌ وَلَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَمْرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا ثُمَّ لَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمْ } وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ : قَاضِيَانِ فِي النَّارِ ، وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ ، قَاضٍ عَمِلَ بِالْحَقِّ فِي قَضَائِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ ، وَقَاضٍ عَلِمَ الْحَقَّ فَجَارَ مُتَعَدِّيًا فَذَلِكَ فِي النَّارِ ، وَقَاضٍ قَضَى بِغَيْرِ عِلْمٍ وَاسْتَحْيَا أَنْ يَقُولَ لَا أَعْلَمُ فَهُوَ فِي النَّارِ } فَصَحَّ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْجَائِرِ وَالْجَاهِلِ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الدُّخُولِ فِي الْقَضَاءِ .
وَأَمَّا مَنْ اجْتَهَدَ فِي الْحَقِّ عَلَى عِلْمٍ فَأَخْطَأَ فَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ } وَبِمِثْلِ ذَلِكَ نَطَقَ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ فِي قَوْله تَعَالَى { وَدَاوُد وَسُلَيْمَانَ إذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ .فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } فَأَثْنَى عَلَى دَاوُد بِاجْتِهَادِهِ ، وَأَثْنَى عَلَى سُلَيْمَانَ بِإِصَابَتِهِ وَجْهَ الْحُكْمِ .وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } فَيَجِبُ عَلَى مَنْ دَخَلَ فِي خُطَّةِ الْقَضَاءِ بَذْلُ الْجَهْدِ فِي الْقِيَامِ بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ : الْقَضَاءُ مِحْنَةٌ ، وَمَنْ دَخَلَ فِيهِ فَقَدْ اُبْتُلِيَ بِعَظِيمٍ ؛ لِأَنَّهُ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ ، إذْ التَّخَلُّصُ عَلَى مَنْ اُبْتُلِيَ بِهِ عَسِيرٌ وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ } وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ " فَقَدْ ذُبِحَ بِالسِّكِّينِ " وَقَالَ أَبُوقِتلَابَةَ : مَثَلُ الْقَاضِي الْعَالِمِ كَالسَّابِحِ فِي الْبَحْرِ ، فَكَمْ عَسَى أَنْ يَسْبَحَ حَتَّى يَغْرَقَ . قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ : وَشِعَارُ الْمُتَّقِينَ " الْبُعْدُ عَنْ هَذَا وَالْهَرَبُ مِنْهُ " وَقَدْ رَكِبَ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمَشَاقَّ فِي التَّبَاعُدِ عَنْ هَذَا وَصَبَرُوا عَلَى الْأَذَى .
وَانْظُرْ إلَى قَضِيَّةِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الِامْتِنَاعِ مِنْهُ وَصَبْرِهِ عَلَى الْإِيذَاءِ حَتَّى تَخَلَّصَ ، وَكَذَا غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ .
وَقَدْ هَرَبَ أَبُو قِلَابَةَ إلَى مِصْرَ لَمَّا طُلِبَ لِلْقَضَاءِ فَلَقِيَهُ أَيُّوبُ فَأَشَارَ إلَيْهِ بِالتَّرْغِيبِ فِيهِ ، وَقَالَ لَهُ : لَوْ ثَبَتّ لَنِلْت أَجْرًا عَظِيمًا ، فَقَالَ لَهُ أَبُو قِلَابَةَ : الْغَرِيقُ فِي الْبَحْرِ إلَى مَتَى يَسْبَحُ . وَكَلَامُ أَبِي قِلَابَةَ هَذَا وَمَنْ تَقَدَّمَهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ التَّهْدِيدِ وَالتَّخْوِيفِ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ مَنْ عَلِمَ فِي نَفْسِهِ الضَّعْفَ وَعَدَمَ الِاسْتِقْلَالِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ وَالنَّاسُ لَا يَرَوْنَهُ أَهْلًا لِذَلِكَ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : لَا خَيْرَ فِيمَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِشَيْءٍ لَا يَرَاهُ النَّاسُ أَهْلًا لِذَلِكَ ، وَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ : الْعُلَمَاءُ ، فَهَرَبُ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ عَنْ الْقَضَاءِ وَاجِبٌ وَطَلَبُهُ سَلَامَةَ نَفْسِهِ أَمْرٌ لَازِمٌ .وَاعْلَمْ : أَنَّ طَلَبَ الْقَضَاءِ وَالْحِرْصَ عَلَيْهِ حَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ .وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : { سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ وَتَكُونُ حَسْرَةً وَنَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَنِعْمَتْ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَ الْفَاطِمَةُ } فَمَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وَأَرَادَهُ وَحَرَصَ عَلَيْهِ وُكِّلَ إلَيْهِ وَخِيفَ عَلَيْهِ فِيهِ الْهَلَاكُ ، وَمَنْ لَمْ يَسْأَلْهُ وَامْتُحِنَ بِهِ وَهُوَ كَارِهٌ لَهُ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ فِيهِ أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ .
وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ وُكِلَ إلَيْهِ ، وَمَنْ لَمْ يَطْلُبْهُ وَلَا اسْتَعَانَ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ } .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ ، فَإِنَّك إنْ تُؤْتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ تُعَنْ عَلَيْهَا ، وَإِنْ تُؤْتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ تُوكَلُ إلَيْهَا } .

وَأَمَّا تَحْصِيلُ الْقَضَاءِ بِالرِّشْوَةِ : قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : وَمَنْ أَخَذَ الْقَضَاءَ بِرِشْوَةٍ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ قَاضِيًا ، وَلَوْ قَضَى لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ ، وَبِهِ يُفْتِي الْإِمَامُ لَوْ قُلِّدَ بِرِشْوَةٍ أَخَذَهَا هُوَ أَوْ قَوْمٌ عَالِمًا بِهِ لَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُهُ كَقَضَائِهِ بِرِشْوَةٍ .
وَقَالَ فِي النَّوَازِلِ : مَنْ أَخَذَ الْقَضَاءَ بِرِشْوَةٍ أَوْ بِشُفَعَاءَ فَهُوَ كَمُحَكَّمٍ ، لَوْ رُفِعَ حُكْمُهُ إلَى قَاضٍ آخَرَ يُمْضِيهِ لَوْ وَافَقَ رَأْيَهُ وَإِلَّا أَبْطَلَهُ ، مَنْ أَخَذَ بِرِشْوَةٍ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ بِلَا حَاجَةٍ إلَى نَقْضِهِ ، وَمَنْ أَخَذَ بِشُفَعَاءَ فَهُوَ كَمَنْ تَقَلَّدَهُ بِحَقِّ الْقَاضِي لَوْ ارْتَشَى وَحَكَمَ نَفَذَ حُكْمُهُ فِيمَا لَمْ يَرْتَشِ لَا فِيمَا ارْتَشَى .
مِنْ الْمُحِيطِ قَالَ فِي نَوَادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ : نَفَذَ فِيهِمَا قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ : بَطَلَ فِيهِمَا وَبِالْأَوَّلِ أَخَذَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ .
وَلَوْ ارْتَشَى وَلَدُهُ أَوْ بَعْضُ أَعْوَانِهِ فَلَوْ كَانَ بِأَمْرِهِ وَرِضَاهُ فَهُوَ كَارْتِشَائِهِ ، فَقَضَاؤُهُ مَرْدُودٌ ، وَلَوْ كَانَ بِلَا عِلْمِهِ نَفَذَ حُكْمُهُ وَعَلَى الْمُرْتَشِي رَدُّ مَا قَبَضَ .
وَلَوْ ارْتَشَى فَقَضَى ، أَوْ قَضَى ثُمَّ ارْتَشَى أَوْ ارْتَشَى ابْنُهُ أَوْ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ أَوْ لِابْنِهِ .
وَلَوْ ارْتَشَى فَبَعَثَ إلَى الشَّافِعِيِّ أَوْ إلَى آخَرَ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُ الثَّانِي إذْ الْأَوَّلُ عَمِلَ لِنَفْسِهِ لَمَّا ارْتَشَى وَلَوْ كَتَبَ إلَى الثَّانِي لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا وَأَخَذَ أَجْرَ الْكِتَابَةِ نَفَذَ حُكْمُ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ .
وَعَنْ مُحَمَّدٍ : إذَا جَاءَ كِتَابُ الْخَلِيفَةِ إلَى عَامِلِهِ بِخُرَاسَانَ أَنْ اجْمَعْ الْفُقَهَاءَ وَسَلْ عَنْ قَاضِيهمْ إنْ لَمْ يَرْضَوْا بِهِ فَاعْزِلْهُ فَفَعَلَ فَلَمْ يَرْضَوْا بِهِ فَأَخَذَ الرِّشْوَةَ فَلَمْ يَعْزِلْهُ فَهُوَ عَلَى قَضَائِهِ ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ لَا يَنْعَزِلُ مَا لَمْ يُعْزَلْ ، وَلَمْ يُعْزَلْ .وَإِنْ كَتَبَ إلَيْهِ أَنْ اجْمَعْ الْفُقَهَاءَ ،فَمَنْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَرَضُوا بِهِ فَوَلِّهِ الْقَضَاءَ ، فَوَلَّى غَيْرَ مَنْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ بِالرِّشْوَةِ لَا يَصِيرُ قَاضِيًا ؛ لِأَنَّهُ وَلَّاهُ بِغَيْرِ أَمْرِ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ التَّوْلِيَةِ ، مِنْ شَرْحِ التَّجْرِيدِ .
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ مِنْ تَلَامِذَةِ ابْنِ شُرَيْحٍ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَاضِي : مَنْ يَقْبَلُ الْقَضَاءَ بَغْيًا لَهُ وَأَعْطَى عَلَيْهِ رِشْوَةً فَوِلَايَتُهُ بَاطِلَةٌ وَقَضَاؤُهُ مَرْدُودٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ بِحَقٍّ .قَالَ : وَإِنْ أَعْطَى رِشْوَةً عَلَى عَزْلِ قَاضٍ لِيُوَلَّى هُوَ مَكَانَهُ فَكَذَلِكَ أَيْضًا ، وَإِنْ أَعْطَاهَا عَلَى عَزْلِهِ دُونَ وِلَايَةٍ فَعُزِلَ الْأَوَّلُ بِرِشْوَةٍ ثُمَّ اُسْتُقْضِيَ هُوَ مَكَانَهُ بِغَيْرِ رِشْوَةٍ نُظِرَ فِي الْمَعْزُولِ ، فَإِنْ كَانَ عَدْلًا فَإِعْطَاءُ الرِّشْوَةِ عَلَى عَزْلِهِ حَرَامٌ وَالْمَعْزُولُ بَاقٍ عَلَى وِلَايَتِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنْ عَزَلَهُ قَدْ تَابَ بِرَدِّ الرِّشْوَةِ قَبْلَ عَزْلِهِ .
وَقَضَاءُ الْمُسْتَخْلَفِ أَيْضًا بَاطِلٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَخْلَفُ أَيْضًا قَدْ تَابَ قَبْلَ الْوِلَايَةِ فَيَصِحُّ قَضَاؤُهُ ، فَإِنْ كَانَ الْمَعْزُولُ جَائِرًا لَمْ يَبْطُلْ قَضَاءُ الْمُسْتَخْلَفِ انْتَهَى .
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْدُمَ عَلَى وِلَايَةِ الْقَضَاءِ إلَّا مَنْ وَثِقَ بِنَفْسِهِ وَتَعَيَّنَ لِذَلِكَ أَوْ أَجْبَرَهُ الْإِمَامُ الْعَدْلُ عَلَى ذَلِكَ ، فَلِلْإِمَامِ الْعَدْلِ إجْبَارُهُ إذَا كَانَ صَالِحًا ، وَلَهُ هُوَ أَنْ يَهْرَبَ وَيَمْتَنِعَ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ ، كَذَلِكَ إذَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ سِوَاهُ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ الِامْتِنَاعُ ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ السَّعْيُ فِي طَلَبِهِ وَتَحْصِيلِهِ لِتَعَيُّنِ الْقِيَامِ بِهَذَا الْفَرْضِ عَلَيْهِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ يُوسُفَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } فَإِنَّهُ كَانَ بَيْنَ قَوْمٍ كُفَّارٍ فَأَرَادَ اسْتِصْلَاحَهُمْ وَدُعَاءَهُمْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالسَّعْيِ فِي هَذِهِ الْوِلَايَةِ دُونَ غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ الْمُتَوَلِّيَ لِأَرْزَاقِ الْعِبَادِ تُذَلُّ لَهُ الرِّقَابُ ، وَتَخْضَعُ لَهُ الْجَبَابِرَةُ وَلَا يَسْتَغْنِي أَحَدٌ عَنْ بَابِهِ ، فَلِهَذَا طَلَبَ هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ دُونَ الْإِمَارَةِ وَالْوَزَارَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوِلَايَاتِ .
لَا يُقَالُ : إنَّهُ طَلَبَ ذَلِكَ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إلَى الِاجْتِمَاعِ بِأَخِيهِ ، فَإِنَّ مَنْزِلَتَهُ أَشْرَفُ مِنْ هَذَا وَأَكْمَلُ ، وَإِنْ كَانَ الْغَرَضُ حَاصِلًا فَعَلَى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ هَذِهِ الْوِلَايَةِ ، أَعْنِي : أَنَّ إخْوَتَهُ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ الْمِيرَةِ وَطَلَبِ الْقُوتِ مِنْ عِنْدِهِ " صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ " .
________________________________________
( فَصْلٌ ) : وَطَلَبُ الْقَضَاءِ يَنْقَسِمُ إلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ : وَاجِبٌ ، وَمُبَاحٌ ، وَمُسْتَحَبٌّ ، وَمَكْرُوهٌ ، وَحَرَامٌ .
فَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ : إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ ، وَلَا يَكُونُ هُنَاكَ قَاضٍ أَوْ يَكُونُ وَلَكِنْ لَا تَحِلُّ وِلَايَتُهُ ، أَوْ لَيْسَ فِي الْبَلَدِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ غَيْرُهُ ، أَوْ لِكَوْنِهِ إنْ لَمْ يَلِ الْقَضَاءَ وَلِيَهُ مَنْ لَا تَحِلُّ وِلَايَتُهُ ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْقَضَاءُ بِيَدِ مَنْ لَا يَحِلُّ بَقَاؤُهُ عَلَيْهِ وَلَا سَبِيلَ إلَى عَزْلِهِ إلَّا بِتَصَدِّي هَذَا إلَى الْوِلَايَةِ ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ التَّصَدِّي لِذَلِكَ وَالسَّعْيُ فِيهِ إذَا قَصَدَ بِطَلَبِهِ حِفْظَ الْحُقُوقِ وَجَرَيَانَ الْأَحْكَامِ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ ؛ لِأَنَّ فِي تَحْصِيلِهِ الْقِيَامَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا وَلَهُ عِيَالٌ ، فَيَجُوزُ لَهُ السَّعْيُ فِي تَحْصِيلِهِ لِيَسُدَّ خَلَّتَهُ ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ يَقْصِدُ بِهِ دَفْعَ ضَرَرٍ عَنْ نَفْسِهِ فَيُبَاحُ لَهُ أَيْضًا .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ : إذَا كَانَ هُنَاكَ عَالِمٌ خَفِيَ عِلْمُهُ عَنْ النَّاسِ فَأَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يُشْهِرَهُ بِوِلَايَةِ الْقَضَاءِ لِيُعَلِّمَ الْجَاهِلَ وَيُفْتِيَ الْمُسْتَرْشِدَ ، أَوْ كَانَ هُوَ خَامِلُ الذِّكْرِ لَا يَعْرِفُهُ الْإِمَامُ وَلَا النَّاسُ فَأَرَادَ السَّعْيَ فِي الْقَضَاءِ لِيُعْرَفَ مَوْضِعُ عِلْمِهِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَحْصِيلُ ذَلِكَ وَالدُّخُولُ فِيهِ بِهَذِهِ النِّيَّةِ .
قَالَ بَعْضُهُمْ : وَقَدْ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ يَرَى أَنَّهُ أَنْهَضُ بِهِ وَأَنْفَعُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ آخَرَ تَوَلَّاهُ وَهُوَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ التَّوْلِيَةَ وَلَكِنْ مُقَصِّرٌ عَنْ هَذَا .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ : أَنْ يَكُونَ سَعْيُهُ فِي طَلَبِ الْقَضَاءِ لِتَحْصِيلِ الْجَاهِ وَالِاسْتِعْلَاءِ عَلَى النَّاسِ فَهَذَا يُكْرَهُ لَهُ السَّعْيُ ، وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ يَحْرُمُ كَانَ وَجْهُهُ ظَاهِرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } وَيُكْرَهُ أَيْضًا إنْ كَانَ غَنِيًّا عَنْ أَخْذِ الرِّزْقِ عَلَى الْقَضَاءِ وَكَانَ مَشْهُورًا لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُشْهِرَ نَفْسَهُ وَعِلْمَهُ بِالْقَضَاءِ .
الْوَجْهُ الْخَامِسُ : أَنْ يَسْعَى فِي طَلَبِ الْقَضَاءِ وَهُوَ جَاهِلٌ لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْقَضَاءِ ، أَوْ يَسْعَى فِيهِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَكِنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِمَا يُوجِبُ فِسْقَهُ ، أَوْ كَانَ قَصْدُهُ بِالْوِلَايَةِ الِانْتِقَامَ مِنْ أَعْدَائِهِ أَوْ قَبُولَ الرِّشْوَةِ مِنْ الْخُصُومِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَاصِدِ ، فَهَذَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ السَّعْيُ فِي الْقَضَاءُ . وَمَا يُسْتَفَادُ بِهَا مِنْ النَّظَرِ فِي الْأَحْكَامِ ، وَمَا لَيْسَ لِلْقَاضِي النَّظَرُ فِيهِ ، وَمَرَاتِبِ الْوِلَايَةِ الَّتِي تُفِيدُ أَهْلِيَّةَ الْقَضَاءِ أَوْ شَيْئًا مِنْهَا أَمَّا وِلَايَةُ الْقَضَاءِ فَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالذَّخِيرَةِ : هَذِهِ الْوِلَايَةُ مُتَنَاوِلَةٌ لِلْحُكْمِ لَا يَنْدَرِجُ فِيهَا غَيْرُهُ .وَقَالَ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : وَلَيْسَ لِلْقَاضِي السِّيَاسَةُ الْعَامَّةُ لَا سِيَّمَا الْحَاكِمُ الَّذِي لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى التَّنْفِيذِ كَالْحَاكِمِ الضَّعِيفِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمُلُوكِ الْجَبَابِرَةِ ، فَهُوَ يُنْشِئُ الْإِلْزَامَ عَلَى الْمَلِكِ الْعَظِيمِ وَلَا يَخْطُرُ لَهُ تَنْفِيذُهُ لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، بَلْ الْحَاكِمُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ حَاكِمٌ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْإِنْشَاءُ ، وَأَمَّا قُوَّةُ التَّنْفِيذِ : فَأَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى كَوْنِهِ حَاكِمًا ، فَقَدْ يُفَوَّضُ إلَيْهِ التَّنْفِيذُ ، وَقَدْ لَا يَنْدَرِجُ فِي وِلَايَتِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ قِسْمَةُ الْغَنَائِمِ وَتَفْرِيقُ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى الْمَصَالِحِ وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ وَتَرْتِيبُ الْجُيُوشِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِ وَتَوْزِيعُ الْإِقْطَاعَاتِ وَإِقْطَاعُ الْمَعَادِنِ وَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ إلَّا بِإِذْنِ إمَامِ الْوَقْتِ الْحَاضِرِ انْتَهَى ..

البهيشي
06-19-2008, 06:27 PM
الله يعطيك العافيه يا أبو بدر


وجزاك الله خير الجزآء



تقبل مروري

علي سالم الشهري
06-26-2008, 02:07 AM
جزاك الله خير ونسأل الله التوفيق للجميع وشكرا على مرورك ...